العيني
231
عمدة القاري
ذكر معناه : قوله : ( الركعتين اللتين قبل الصبح ) أي : قبل صلاة الصبح وهما سنة صلاة الصبح . قوله : ( إني ) ، بكسر الهمزة . قوله : ( لأقول ) اللام فيه للتأكيد . قوله : ( بأم القرآن ) ، هذا في رواية الحموي ، وفي رواية غيره : ( بأم الكتاب ) ، وفي رواية مالك : ( قرأ بأم القرآن أم لا ؟ ) وأم القرآن : الفاتحة ، سميت به لأن أم الشيء أصله ، وهي مشتملة على كليات معاني القرآن الثلاث : ما يتعلق بالمبدأ وهو الثناء على الله تعالى ، وبالمعاش وهو العبادة ، وبالمعاد وهو الجزاء . وقال القرطبي : ليس معنى قول عائشة : إني لأقول : هل قرأ بأم القرآن ؟ أنها شكت في قراءته ، صلى الله عليه وسلم ، وإنما معناه أنه كان يطيل في النوافل ، فلما خفف في قراءة ركعتي الفجر صار كأنه لم يقرأ بالنسبة إلى غيرهما من الصلوات . قلت : كلمة : هل ، حرف موضوع لطلب التصديق الإيجابي دون التصوري ودون التصديق السلبي ، فدل هذا على أنها ما شكت في قراءته مطلقا ، وتقييدها بالفاتحة من أين ؟ وقد مر الكلام فيه مستوفىً عن قريب . ذكر ما يستفاد منه : فيه : المبالغة في تخفيف ركعتي الصبح ، ولكنها بالنسبة إلى عادته صلى الله عليه وسلم من إطالته صلاة الليل ، واختلف العلماء في القراءة في ركعتي الفجر على أربعة مذاهب حكاها الطحاوي . أحدها : لا قراءة فيهما ، كما ذكرنا في أول الباب عن جماعة . الثاني : يخفف القراءة فيهما بأم القرآن خاصة ، روي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص وهو مشهور مذهب مالك . الثالث : يخفف بقراءة أم القرآن وسورة قصيرة ، رواه ابن القاسم عن مالك وهو قول الشافعي . الرابع : لا بأس بتطويل القراءة فيهما ، روي ذلك عن إبراهيم النخعي ومجاهد ، وعن أبي حنيفة : ربما قرأت فيهما حزبين من القرآن ، وهو قول أصحابنا . وقال شيخنا زين الدين : المستحب قراءة سورة الإخلاص في ركعتي الفجر ، وممن روي عنه ذلك من الصحابة : عبد الله بن مسعود ، ومن التابعين : سعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وعبد الرحمن بن يزيد النخعي وسويد بن غفلة وغينم بن قيس ، ومن الأئمة : الشافعي ، فإنه نص عليه في البويطي وقال مالك : أما أنا فلا أزيد فيهما على أم القرآن في كل ركعة رواه عنه ابن القاسم ، وروى ابن وهب عنه أنه لا يقرأ فيهما إلاَّ بأم القرآن . وحكى ابن عبد البر عن الشافعي أنه قال : لا بأس أن يقرأ مع أم القرآن سورة قصيرة . قال : روى ابن القاسم عن مالك أيضا مثله . ثم إن الحكمة في تخفيفه صلى الله عليه وسلم ركعتي الفجر المبادرة إلى صلاة الصبح في أول الوقت ، وبه جزم صاحب المفهم ، ويحتمل أن يراد به استفتاح صلاة النهار بركعتين خفيفتين ، كما كان يستفتح قيام الليل بركعتين خفيفتين ، ليتأهب ويستعد للتفرغ للفرض أو لقيام الليل الذي هو أفضل الصلوات بعد المكتوبات ، كما ثبت في ( صحيح مسلم ) وخص بعض العلماء استحباب التخفيف في ركعتي الفجر بمن لم يتأخر عليه بعض حزبه الذي اعتاد القيام به في الليل ، فإن بقي عليه شيء قرأ في ركعتي الفجر ، فروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عن الحسن البصري قال : لا بأس أن يطيل ركعتي الفجر يقرأ فيهما من حزبه إذا فاته ، وعن مجاهد أيضا قال : لا بأس أن يطيل ركعتي الفجر . وقال الثوري : إن فاته شيء من حزبه بالليل فلا بأس أن يقرأ فيهما ويطول . وقال أبو حنيفة : ربما قرأت في ركعتي الفجر حزبي من الليل ، وقد ذكرناه عن قريب ، وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) مرسلاً من رواية سعيد بن جبير ، قال : ( كان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ربما أطال ركعتي الفجر ) ورواه البيهقي أيضا ، وفي إسناده رجل من الأنصار لم يسم . فائدة : التطويل في الصلاة مرغب فيه لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( أفضل الصلاة طول القنوت ) ، ولقوله ، صلى الله عليه وسلم ، أيضا في الصحيح : ( إن طول صلاة الرجل سمة من فقهه ) أي : علامة ، ولقوله ، صلى الله عليه وسلم ، في الحديث الصحيح أيضا ( إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء ) إلاَّ أنه قد استثنى من ذلك مواضع استحب الشارع فيها التخفيف : منها : ركعتا الفجر لما ذكرنا . ومنها : تحية المسجد إذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب ليتفرغ لسماع الخطبة ، وهذه مختلف فيها . ومنها : استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين ، وذلك للتعجيل بحل عقد الشيطان ، فإن العقدة الثالثة تنحل بصلاة ركعتين ، فلذلك أمر به ، وأما فعله ، صلى الله عليه وسلم ، ذلك فللتشريع ليقتدى به وإلاَّ فهو معصوم محفوظ من الشيطان ، وأما تخفيف الإمام فقد علله ، صلى الله عليه وسلم ، بقوله : ( فإن وراءه السقيم والضعيف وذا الحاجة ) ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال ، وإليه المرجع والمآب .